البورصة ولعبة الموت

مصباح قطب -

استقبلت البورصة المصرية يوم الخميس الماضي وهو اليوم التالي لاعلان نبأ ترشح المشير عبد الفتاح السيسي لمنصب رئاسة الجمهورية على غير المتوقع حيث هبط السوق بشدة وخسر الكثير من المكاسب التي جناها في الفترة الماضية وسط حالة اندهاش بين المراقبين وبعض المتعاملين.


المهم ان هذا الحدث أعاد للأذهان مجددا طرح السؤال الأزلي: إلى أي حد يمكن اعتبار سوق المال مرآة للوضع الاقتصادي والسياسي ؟

نعرف جميعا أن المشير عبدالفتاح السيسي قد ذكر تلميحا مرات عديدة من قبل أنه لن يتأخر عن خدمة بلده ولا عن دعوة الجماهير له للترشح للرئاسة بيد أن عملية التلميح هذه امتدت لأشهر مما جعل الجمهور العام في حالة توتر وقلق وجعل الموقف ينطوي على التباسات هي بالتأكيد غير مقصودة, وفي كل مرة كان يقال فيها بدرجة من الوضوح ان المشير عبدالفتاح السيسي سيترشح كان السوق يصعد بل ويمكن القول دون أي مبالغة ان الصعود الصاروخي للسوق المصري بعد فترة حكم الدكتور محمد مرسي وإلى الآن يعود جانب رئيس منه إلى ثقة المصريين في الجيش وفي قيادته واعتقادهم بان وجود هذه المؤسسة سليمة وناجية من الأوضاع العامة التي ترتبت بعد يناير 2011 كل ذلك جعلهم أقل خوفا من المستقبل بل وأكثر تفاؤلا به, وإن اتخذ التفاؤل الطابع الحذر طوال الوقت.

الغريب أن صعود السوق المصري بعد 30 يونيو 2013 تم بالأساس بأموال مصرية صرفة وفي ظل حالة واضحة من عدم الاقبال من المستثمرين العالميين ومن العرب بدرجة أقل على السوق وكان معنى ذلك أن المستثمرين المصريين تعاملوا بمبدأ ( أن صاحب البيت هو أدرى الناس بأركانه) لأن إقبالهم على السوق تم ليس فحسب في ظل إحجام عرب وأجانب ولكن أيضا في ظل نشر واسع في الميديا الغربية عن التدهور الامني والسياسي والاقتصادي في مصر. كما ان اقبالهم هو عمل وطني أيضا يستحقون الشكر عليه.

لقد ذهب بعض المحللين بعد بدء صعود السوق بعد 30 /6 إلى أنهم يشكون في وجود توجيهات سياسية وراء الصعود وأن الحكومة طوال تلك الفترة ربما تكون قد حثت المؤسسات المالية التابعة لها من بنوك وشركات تأمين وغيرها لمساندة السوق غير أنني لا أتبنى وجهة النظر تلك فالتوظيفات التي قامت بها البنوك وشركات التأمين معلومة إلى حد بعيد كما أن استثماراتها في اصدارات الدين الحكومية كانت وما زالت هي الاعلى بمراحل فضلا عن ان من حق أي مستثمر سواء كان ماله عاما أو خاصا أن يقتنص فرصة بالبورصة بدت جليه للجميع في مصر وإن لم يشأ أن يشاهدها الاجانب ثم ان استثمارات الأفراد المصريين استحوذت على النصيب الاكبر من التعاملات طوال الوقت, وهولاء لا يمكن القول إن أحدا يوجههم سواء كان الحكومة أو غير الحكومة.

نقصد أن صعود السوق في مصر كان رهانا ولا يزال على نقطتين أساسيتين أولهما أن القاعدة الاقتصادية المصرية مازالت كما هي تقريبا باستثناء بعض الإصابات التي لحقت مصنعا هنا أو منشأة هناك وأن هذه القاعدة ورغم التباطؤ وتوقف مئات من المصانع جاهزة للانطلاق ريثما يزيد الطلب ويستقر الأمن أكثر, اما النقطة الثانية وهي الرهان على أن مصر بتماسكها الاجتماعي ووحدة وقوة جيشها والكثير من مؤسساتها الأمنية والتنفيذية لن تدخل في النفق الذي دخلت فيه دول عربية وغير عربية في الأقليم في السنوات الماضية، ويبقى السؤال ما الذي تغير اذا حتى يستقبل السوق الخبر اليقين لترشح المشير المشير السيسي وخطابه الذي ألقاه مساء الأربعاء الاسبق كما أشرنا والذي أوضح فيه أنه يطمح إلى بناء دولة ديمقراطية لها هيبة تحقق التنمية والعدالة وتوفر الحياة الكريمة للمواطنين ؟ ما الذي تغير رغم انه لم يكن مفاجئا على الاطلاق فهو كان متوقعا بنسبة كبيرة بسبب الضغط الشعبي على المشير للترشح وما الذي جعل السوق ينخفض بشدة ؟ وهل هو انسحاب مباغت لأموال من جماعات الاسلام السياسي في مصر ومن مساندين لهم في الاقليم في هذا اليوم كما يقول البعض وكما كتب الآلاف على صفحات التواصل الاجتماعي ؟ ام أن هناك أسبابا أخرى؟

في اعتقادي ان من قبيل الاستسهال القول إن مستثمرين ينتمون إلى جماعة الاخوان قد قرروا الانسحاب فجأة من السوق في هذا اليوم وفي ايام تلته شهدت ايضا خسائر ضخمة بالسوق حتى يقال انظروا: كم ستخسر البلاد من ترشح المشير السيسي: انظروا ها هي سوق المال تهوي؟ !

أقول إن ذلك من قبيل الاستسهال لان هبوط السوق فجأة ومهما حمل من دلالة رمزية سيئة لا يعني الكثير في النهاية في تعطيل العملية السياسية التي اعلن المشير السيسي في إطارها أنه سيترشح للرئاسة, وبالمثل لا يمكن القول ان أتباع الحزب الوطني الحاكم في زمن الرئيس مبارك هم الذين وقفوا وراء صعود السوق في الأشهر الماضية.

هناك سبب موضوعي بمعايير وقواعد اللعبة في أسواق المال ففي اللحظات الحاسمة يحلو لكبار المضاربين ان يلعبوا لعبة الموت بمعنى جر السوق إلى صعود شديد القوة في الوقت الذي يتوقع فيه الجميع هبوطه أو جر السوق إلى هبوط مدوي في الوقت الذي يتوقع فيه الجميع صعوده إنها اللعبة الحدية إياها بمعنى دفع الخصوم إلى حافة الهاوية أو إلى الوقوف على خط بوابة الجنة الموعودة بمكاسب كبيرة وفي هذه الأثناء نبدأ اللعبة كالتالي (وكما حدث في ظني بعد ترشح المشير) يمثل السوق بمساندة هؤلاء اللاعبين المحترفين دوره الطبيعي في الساعة الاولى من التداول في اليوم الاول بمعنى أن يظهر السوق محققا مكاسب تشي بان المتوقع سيتحقق ثم فجأة يقوم عدد من المضاربين بعرض أسهم على 10% انخفاض وهو الحد الاقصى المسموح به للهبوط في البورصة المصرية وبالتالي يتصور المتعاملون أن من فعل ذلك لديه بالتأكيد أسباب منطقية وقد يكون علم ما لم يعلموه أو عرف مثلا أن أنصار الأخوان سيشعلونها نيرانا في كل مكان أو أن هناك ما سيؤثر إقليميا أو دوليا على مصر أو أي خيال من هذا النوع بسبب ترشح المشير للرئاسة ومن ثم يتدفع المتعاملون إلى بيع أسهمهم برخص التراب أو بنسب الأنخفاض القصوى التي أشرنا إليها فيصبح الانهيار شاملا.

وهذا ما حدث بالفعل بل واستمر لأيام تالية. كان السوق قد وصل ببساطة الى ارتفاع غير معقول في الاربعة اشهر الاخيرة وآن اوان جني الكبار اكبر ارباح ممكنة وانهاء دورة الصعود هذه مؤقتا. المتوقع ان يقوم المضاربون صناع لعبة الموت بعملية شراء واسعة النطاق في اعقاب ذلك وحين يبدأ السوق الصعود بقوة مع انتخاب المشير رئيسا او تقدم حملته- سيمر قبلها بتذبذبات – يجنون المكاسب الكبيرة وحدهم تقريبا. هذا ما يطمئن إليه ضميري المهني والتحليلي.

أعرف أنها لعبة معقدة وتنطوي على مخاطر فقد لا يشرب المتعاملون المقلب وقد يقومون هم بشراء الاسهم التي عرضها المضاربون بأسعار منخفضة بنسب الحد الاقصى للهبوط لاحقا لكن التجارب علمتنا أن الجمهور العريض في سوق المال وربما في غير سوق المال نادرا ما يفلت من مقالب المحترفين وكثيرا ما يشرب الكؤوس المريرة من جراء اندفاعه إلى الساحة التي خططها المضاربون وهو بلا وعي وإذا كان وصفنا لهذة اللعبة بأنها معقدة فمن الواجب القول إن العمليات المالية في عالم اليوم أصبحت كلها شديدة التعقيد ورغم ذلك لا تزال قاعدة “لا يفل الحديد إلا الحديد” تعمل بمعنى أنه يحدث أن يصطدم المضاربون المحترفون بالمضاربين المحترفين حيث يلعب الاثنان احيانا وفي ظروف معينة لعبة يا قاتل يا مقتول عن عمد واصرار.

وقد شهدنا هذا النموذج في الولايات المتحدة الامريكية عندما ظهرت جليه للعيون والعقول والجيوب بوادر الازمة المالية في نهاية 2007 غير ان المضاربين ظلوا على نهجهم وألعابهم وكل منهم يمني نفسه بان يخطف جوهرة قبل ان تنفتح فوهة الجحيم الذي كانوا يعلمون انه قادم قادم. استمرت العملية حتى اللحظة الاخيرة على نهجهم حتى جاء إعلان إنهيار بنك “ليمان برازر” والذي كان بمثابة الاعلان الحاسم عن مجيء اللحظة الجحيمية المرتقبة التي خسر معها عمالقة الألعاب المالية مئات من مليارات الدولارات من قيم أسهمهم أو أسهم من يديرون استثماراتهم ومنهم بالطبع عرب كثيرون. لن يستفيد الصغار شيئا.

ان كل الكبار قد خسروا فالكبار في النهاية سيزيحون أعباءهم إلى الدولة أو إلى المجتمع وقد رأينا أن الولايات المتحدة الامريكية واوربا من خلال بنوكها المركزية قد قدمت دعما سخيا لزعماء الخراب المالي على حساب دافعي الضرائب لكن المتعاملين الصغار دائما لهم الله حيث لم يعن بهم أي بنك مركزي أو أي وزير خزانة.

النصيحة اذا للمتعاملين الأفراد بالذات من المصريين والعرب في السوق المصرية أن يكونوا على حذر وان يقرأوا جيدا واقع الحال الاقتصادي السياسي قبل ان يتخذوا قراراتهم فالمستثمر الحصيف في النهاية هو من يستفتي قلبه ويستفتي عقول الأخرين الذكية والنزيهة في تحليل الأوضاع الاقتصادية والأسواق.