الخليلي: المساجد اختصها الله بزيادة التشريف والتكريم بإضافتها إلى نفسه وجعلها بيوته في أرضه

تأوي شتات المؤمنين الذين يلبون داعي الله -

كتب-عيسى القصابي -

القى سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة محاضرة دينية حول (فضل إقامة المساجد) أكد فيها أن المساجد تأوي شتات المؤمنين الذين يلبون داعي الله سبحانه وتعالى في هذا البلد، ويسبحونه في آناء الليل وأطراف النهار لا يشغلهم عن ذكر الله شاغل ويصدهم عنه صاد ولا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يومًا تتقلب فيه القلوب والابصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا، ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب وإني إذ أهنئكم بمقدم صاحب الايادي البيضاء الغامرة الذي أشاد بناء هذا المسجد، وحضوره بينكم وأسأل الله تعالى أن يجزيه الخير على ما قدم وأن يبارك له في عمله، وفي ماله وفي ذريته، وأن يحسن إليه كما أحسن، وأن يوفقه دائمًا إلى الخير والى ما يقربه الى الله سبحانه وتعالى زلفى.


ويضيف: تدركون قيمة المسجد الذي جعله الله سبحانه وتعالى بيتا له في الارض ولله تعالى ملك السموات والارض فما من شيء في هذه الارض أو في السماوات العلا إلى وهو مملوك لله سبحانه وتعالى وإنما يختص الله سبحانه وتعالى المساجد بزيادة التشريف والتكريم فأضافها الى نفسه وجعلها بيوته في أرضه يقول سبحانه: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) ويقول سبحانه: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ، رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) نعم هذه هي البيوت التي ذكرها الله سبحانه وتعالى مصحوبة بهذا الشرف العظيم، وبين أنها مشرق نوره في هذه الارض على عباده إذ ضرب قبل هذه الآية الكريمة مثلا لنورة عندما قال: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ) ويتبين بعد ذلك أن هذه البيوت هي مشرق هذا النور فمن قصدها بإيمان وإخلاص لله سبحانه وتعالى مبتغيًا وجهه عزَّ وجل كان هو أولى بهذا النور، ولا ريب أن الله تعالى جعل عمارتها الحسية والمعنوية من معالم الايمان به، وباليوم الاخر فإن الله عزَّ وجل بين ذلك عندما قال: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ) كما أن الاحاديث النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام تؤكد ذلك ففي الحديث عنه صلوات الله وسلامه عليه: (من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة) وجاء في الحديث عنه صلوات الله وسلامه عليه: (ألا أنبئكم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطى الى المساجد وانتظام الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط) قالها ثلاثًا.


تكريم الله للزائرين

بيوته في الأرض


ويبين سماحته، أنه حقًا على المزور أن يكرم زائره، نعم، حقا على المزور أن يكرم زائره والله سبحانه وتعالى هو أولى بأن يرعى هذا الحق وقد جعله الله سبحانه وتعالى مغفرة من لدنه وفضله لهذا الذي يأتي إليه في بيوته ومن المعلوم أن الصلوات التي تقام إنما هي في الحقيقة عروج إلى الله سبحانه وتعالى بالأرواح فإن الانسان يترك كل شيء في هذه الحياة الدنيا خلف ظهره ويتجه بوجهه وبقلبه وبسمعه وببصره وبكل مشاعره وأحاسيسه بظاهره وباطنه بجسمه وروحه وعقله وقلبه، بفكره ووجدانه إلى الله سبحانه وتعالى الذي خلق فسوى وقدر فهدى يتوجه إليه بالتكبير مكبرًا إياه سبحانه وتعالى، ومن خلال هذا التكبير ينظر إلى أكثر من معنى فإن التكبير يعني أن الكبرياء لله سبحانه وتعالى وحده والناس مهما علت منازلهم وارتفعت أقدارهم وسمت درجاتهم إنما هم عباده إن كل ما في السماوات والارض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردًا فالتكبير إذا يفهم بأن الناس متساوية أقدامهم بين يدي الله لا يفضل بعضهم بعضًا بمال ولا جاه ولا منصب ولا شرف نسب ولا شيء آخر إنما يفصل بعضهم بعضًا بالعمل الصالح، فبقدر ما يقترب الانسان من ربه سبحان وتعالى بالعمل الصالح الذي يزكيه الإخلاص يكون أرفع درجة، وأقرب منزلة فبذلك كان هذا الشعور الداعية الى التنافس في مجال الاعمال الصالحة كما أنه داعي أيضًا إلى ألا يغتر أحد بما أوتي في هذه الدنيا من سلطة أو جاه أو منصب أو أي شيء آخر إنما ذلك كله يدعوه الى أن يتواضع لله وكذلك إن كان هو بخلاف هذا الحال وذلك بأن يكون من الفقراء والضعفاء فأن شعوره بالقرب من الله سبحانه وتعالى يجبر نفسه الكثير ويجعله يشعر بأنه لا يقبضه غيره إلى بقدر ما يقترب الى الله بالعمل الصالح فإن كان أكثر قربا الى الله بالعمل الصالح كان أعظم منزلة عنده وذلك أيضا مما يدعو الى التنافس في الاعمال الصالحة كما أن كل ما يأتي به المصلي من تلاوة وذكر يكتب في نفسه هذه المعاني الراقية، ويسمو بروحه الى الدرجات العالية، ويجعله يشعر بجلال الله الذي هو مقبل عليه ومتوجهًا إليه فلا يشتغل بأشياء من شواغل الدنيا، ولذلك شرع عند الخروج من الصلاة التسليم لان الانسان كان في عالم آخر في غير هذا العالم الذي يشارك فيه البشر بالأحاسيس والمشاعر التي تجعله يحس بما يجري في هذه الدنيا إنما هو في عالم آخر في عالم القرب والزلفى من الله سبحانه وتعالى وعندما يعود الى البشر بعد العروج بروحه وعقله وقلبه الى مقامات الزلفى يعود إليهم فيسلم عليهم من جديد، ويأتي إليهم لذلك يسلم عليهم؛ لأنه قضى هذه الرحلة الروحانية الايمانية التي وصلت به الى حيث وصلت وهذا يعنى بأن الانسان يجدر به أن يكون حريًا أن يحافظ على مكاسب هذه الصلاة ومكاسبها إنما هي الابتعاد به عن معاصي الله فأن الله تعالى يقول: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) كما أن من مكاسب هذه الصلاة أنها تجعل الانسان يستعلي على الخسائس الجبلية التي هي من شأن هذا الانسان بسبب أن الله خلقه من تراب فالإنسان يستعلي على هذه الاخلاق الجبلية التي كأنما هو فطر عليها بسبب خروجه بروحه الى ربه سبحانه وتعالى من خلال هذه الصلاة وذلك واضح في قوله سبحانه وتعالى: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا، إِلَّا الْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ) استثنى من هؤلاء المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون ثم وصف هؤلاء بما وصفهم من الأوصاف التي هي ناشئة عن المحافظة على هذه الصلوات فلذلك عندما اختتم هذه الصفات جميعًا ذكر مرة أخرى المحافظة على الصلاة فقال: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) لان الصلاة هي التي تجعل الانسان تعلو همته ويتقد عزمه ويحرص على الخير ويبعد عن الشر ولا ريب أن إقامة الصلوات في هذه المساجد على هذا النحو الذي أمرنا الله سبحانه وتعالى به يجعل الناس متصافية قلوبهم متآخين في ذاته عزَّ وجل مترابطين برباط الايمان بالله واليوم الاخر متوادين فيه سبحانه يصدق عليهم قول الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)، وقول النبي -صلوات الله عليه وسلم- (ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)، فالمؤمنون هم بمثابة الجسد الواحد لانهم يشعرون بمشاعر واحدة ويتألمون نفس الالام التي يتألمها أي فرد من أفرادهم إذ يحس أي واحد منهم ما وقع على أخيه كأنه واقع عليه ويتجهون اتجاها واحدا هم كما قال الحديث النبوي: (الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، أَلا لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ). هذا إنما هو ناجم عن إقامة هذه الصلاة على هذا الوجه المشروع بحيث أن إقامتها على هذا الوجه المشروع في هذه البيوت بعلم الناس جميعًا النظام فهم ينتظمون في حركاتهم وسكناتهم كما أنهم يصطفون جميعا لا يتركوا بين أي واحد منهم، وغيره أي فارق من الفوارق الطبقية فلا يفرق بينهم خلاف لون ويفرق بينهم خلاف لسان ولا يفرق بينهم التفاوت في المال أو التفاوت في المنصب أي التفاوت في أي شيء أخر لانهم متآخون في ذات الله سبحانه وتعالى وماثلون بين يدي الله عزَّ وجل ومقبلون إليه بوجوههم وقلوبهم وعقولهم وأفكارهم وهذا أمر يستدعي بطبيعة الحال ان يكون المسلمون حريصين على هذا الخير ومن تمام الحرص عليه أن يحرصوا على تنشئة أولادهم عليه وهذا لا يتم إلا عندما يربون تربية دينية بحيث يتغذون بالمعارف الدينية وهم في نعومة أظفارهم فينشئ كل ناشئ منهم وهو مشغول بكتاب الله ومشغول بالتردد على بيت الله ومشغول بالإقبال على الله سبحانه وتعالى من خلال هذه الصلاة المفروضة التي تؤدى في هذه المساجد والمحافظة على كتاب الله هي المحافظة على الخير كله فأن كتاب الله سبحانه وتعالى هو مجمع الخير ومصدر الفضل ومنبع الهداية ومشرق النور على عباد الله المؤمنين جعله الله نورا وهدى يقول سبحانه وتعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).


القرآن نور


نعم، هو نور من عند الله تعالى لان الانسان يستبصر به في حياته يميز به بين الحق والباطل وبين النافع والضار وبين الهدى والضلال وبين الصالح والفاسد وهو أيضا روح لان الارواح تحيا به كما تحيا الابدان بهذه الارواح فالله تعالى يقول: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

وقد بين سبحانه وتعالى إن القرآن يهدي للتي هي أقوم فقد قال: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) كما أنه سبحانه وتعالى بين أيضا أن هذا القرآن الكريم فيه شفاء لهذه الامة يقول تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا) فيه شفاء من حيث المعتقدات لأنه يبين للانسان المعتقد الصحيح فهو يصل الدنيا بالآخرة ويربط بين العمل وجزائه ويوحد بين المسير والمصير ويصل الانسان بهذا الكون الواسع الارجاء المترامي الاطراف بل ويصل الانسان والكون جميعًا بمبدع هذا الوجود سبحانه الذي هو مسيطر على كل شيء منه المبدأ وإليه الرجعى وله الحمد في الاخرة والاولى ويبين للناس القضايا المغلقة على عقولهم فأن القرآن الكريم يحل لغز هذا الوجود يبين الانسان من أين جاء وإلى أين ينتهي وماذا عليه أن يعمل بين المبدأ والمنتهى كما أنه أيضًا هو شاف بما في الصدور من حيث بيان حسن العلاقة بالله سبحانه وتعالى فيبين للإنسان كيف يتصل بربه من خلال العبادات التي فرضها عليه ومن خلال الطاعات التي أوجبها عليه كذلك هو شاف لما في الصدور من حيث بيان المعاملات بين الناس وكيف يكون التعامل فيما بينهم بالتي هي حسنى بالأخلاق الفاضلة وبمراعاة كل واحد لحقوق الاخرين فيتم التعامل على أساس الفضيلة وعلى أساس الاستعلاء عن الانانيات لتتوحد الامة من كل جانب من جوانب هذه الحياة ثم أنه شافي أيضا لما في الصدور من حيث إنه يبين صلة الانسان بجنسه فيبين كيف تكون علاقة الفرد بمجتمعه وكيف تكون علاقة الفرد بأمته، وكيف تكون علاقة الفرد بأسرة وكيف تكون العلاقة بين الوالد وولده وكيف تكون العلاقة بين الاخ وأخيه وكيف تكون العلاقة بين الجار وجاره وكيف تكون العلاقة بين المسلم وسائر إخوانه المسلمين وكيف تكون العلاقة بين المسلم وسائر بني البشر كل ذلك إنما هو يستمد بهذا الكتاب الكريم الذي لا يأتي بالباطل من بين يديه ولا من خلفه فحريا بنا أن نحرص جميعا على تنشئة أجيالنا عليه بحيث نحفظهم هذا الكتاب ونحرص على أن يتلوه التلاوة السليمة من جميع الاخطاء ونحرص مع ذلك كله على تفهيمهم معانيه بقدر مستطاعهم ونحرص مع كل ذلك على أن ينشأوا في الاعمال جميعا عليه مستمدين منه منهجهم في هذه الحياة بحيث تكون أعمالهم مكيفة بهذا القرآن الكريم ومترجمة بهداية ومعناه بهذا تمكن السلف الصالح من التغلب على جميع مشكلات الحياة فلذلك ساقوا في هذه الارض الواسعة الارجاء المترامية الاطراف وهم يحملون هذه الهداية الى هذه الانسانية التعيسة الحائرة خرج أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أرض الحجاز، ومن هذه الجزيرة العربية التي كانت آنذاك قاحلة جرداء لا تتدفق فيها ينابيع النفط، وليس فيها شيء من الموارد الطبيعية ما هو معروف الان وإنما خرجوا بهذا القرآن الى أرجاء الارض حاملين هداية الحق الى الخلق، وكانوا مستهدفين كل جبار عنيد وشيطان مريد، ولم يقفوا حتى طأطأ الله تعالى لهم رؤوس الاكاسرة والقياصرة فداسوا على هاماتهم بأقدامهم وتعثرت بتيجانهم نعالهم ذلك كله لانهم حملوا هداية القرآن الكريم الى الناس وقد فكوا عن هذه الانسانية أسر جور الجائرين وبطش الظالمين فأضاقوا الانسانية طعم العدل والاستقرار. نعم هذه هي المهمة التي خلت بها السلف من الجزيرة العربية الى أرجاء الارض حاملين إليهم هداية القرآن ومعاني القرآن ومترجمين قيم القرآن بأعمالهم ولذلك تسابق الناس الى اعتناق هذا الدين مقتنعين أنه الحق الذي جاء من عند رب العالمين لانهم وجدوا كل جزئية من جزئياته فضلا عن كلياته الاساسية فتجسدوا في أخلاقهم وسلوكهم وأعمالهم فكانت هذه الاخلاق وهذا السلوك وهذه الاعمال خير داعي للناس الى دخولهم في دين الله وكانت الامم تتسابق الى اعتناق هذا الدين فصدقهم الله وعده عندما قال: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) وبما أن دورة الزمن دارت وإذا بالأمة الاسلامية تقف ذليلة خانعة أمام بطش الظالمين وجور الجائرين من الذين يتربصون بهذه الامة الدوائر ويحيكون لها المؤامرات ليقضوا عليها فإنه لا مناص من الرجوع الى القرآن مرة أخرى وتنشئة هذه الاجيال الصاعدة على هذا الكتاب العزيز ليكون درعا لهذه الامة درعًا واقيًا من هذه الشرور المحدقة والنبي -صلى الله عليه وسلم- أذن هذه الامة من فتن متنوعة وبين لها أن المخلصة بما هو في القرآن نعم هذا القرآن هو المخلص من هذه الشدائد كلها وهو الذي صنع تلك الامة التي كانت خير أمة أخرجت للناس هو الذي ارتفع بها من ذلك الدرك النازل الى ذلك الاود الشامخ حتى كانت أمة مرموقة بين الامم أمم الارض جميعا وكانت ألسنة أعدائها تتسابق وتتبارى في الكشف عن محاسنهم وبيان فضائلهم كما حصل ذلك عندما اجتمع هرقل عظيم الروم وإمبراطورها بقادة جيشه لدراسة أسباب الهزائم التي أصيب بها جيشه فكان من سؤاله للقادة ما حال هؤلاء الناس الذين واجهتموهم في ميادين المعركة فقال له أحد أولئك القادة: هم ربان بالليل وفرسان بالنهار لا يأكلون في ذمتهم إلا بثمن ولا يدخلون إلا بسلام يقضون على من حاربوا حتى يأتوا عليه، نعم هذه هي صفات أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهذه هي صفات من نهج نهجه وحرص على اتباعه في جميع الدهور والازمان فأنهم جميعا إنما كانوا يرتوون من منابع القرآن الكريم ويستهدون بضيائه ويستمدون في كل شيء من أنواره فلذلك كانت حياتهم حياة قرآنية ونحن بحاجة من جديد الى هذا الجيل القرآني الذي يضطلع بأمانة القرآن ويقوم بالواجبات والتكاليف التي أنيطت بحكم القرآن الكريم.