رندة صادق -
أثناء بحثي عن تعريف التحرش بالمرأة ، وجدت من عرفه بأنه عمل حيواني وغير حضاري ، وأنه نتيجة خلل نفسي، وهناك تعريفات أخرى بدت لي لا تبلغ عمق المشكلة في مجتمعاتنا العربية ؛ لأن التحرش بالمرأة لصيق بفكرة الاستباحة التي يكتسبها الرجل من تربية خاطئة عن دوره ودور المرأة ،إضافة إلى الازدواجية الأخلاقية التي تعري الأخريات وتشدد على من يعتبرهن من أملاكه الخاصة ، وعدم توفر ضوابط قانونية واضحة تستعين بها المرأة ضد الرجل ، وإن وجدت هذه الضوابط تمنع الأعراف المرأة من التصريح والكشف عما تتعرض له من مضايقات وتحرشات لا ترتبط بكونها جميلة أو مثيرة أو أنها صغيرة أو كبيرة أو حتى كما يجتهد البعض في قمعها وحصرها بتهمة أنوثتها المشتهاة ، وبناء الأسوار حولها ، ورغم كل هذا الحصار ، فإنهن يتعرضن للتحرش فقط ؛ لأن للأنثى تضاريس فهي وعاء لرغبة الرجل تستهلك عقله وموضوعيته وتسيطر على ميوله وتصرفاته ، فالتحرش يبدأ بالنظرة إلى أن يصل إلى عملية مساومة ترتبط بواقع المرأة وعملها. قد تبدو الأرقام مفزعة، فمن بين كل عشر نساء ثمان يتعرضن لشكل من أشكال التحرش أو المساومات، فلا تتوقف التحرشات بالنظر أو الملامسات بل تتعداه إلى مساومات من أرباب العمل أو ممن تطلب منهم خدمة ما في دائرة رسمية أو في مكان عام وحتى من الباعة ، وأحيانا ومن أقرب الناس لمحيطها ، وممن يفترض بهم حمايتها.فمن يسمح للرجل بكل هذه الجرأة المقززة ؟ وهل التطور الذي بلغ كل تفاصيل حياتنا زاد من فرص التحرش ؟ وهل حقا أن ما وصلت إليه المرأة من حرية هو سبب تعرضها بنسب أعلى للتحرش ؟ المشكلة أكبر مما نحاول تصويره ، وأحيانا طمسه ، كثيرون يرددون أننا نحد من نسب ارتفاع التحرش بالآخر بالفصل بين الجنسين، ولكن الإحصاءات ستبدو مخيفة لأن التحرش قد يطال المجتمعات المغلقة ، ويدور في عمقها وحتى في تفاصيل عزلتها .فحين نتطرق إلى هذه المشكلة تواجهنا (تابوات) كثيرة وتصطدم بالقيم الاجتماعية والتعاليم الدينية، وربما لا يدرك المتحرش أنه متحرش ودائما ما يُحمل ضحيته سبب تحرشه معيدا الأمر إلى لبسها أو مشيتها أو عطرها ؛ لهذا تعود جرأة الرجل لعقليته أولا , فلن تجد رجلا تربى على حرمة النساء واحترامهن ويتحرش بامرأة ، فبعض الرجال تحركه غريزته ، والبعض الآخر تغريه الأنثى بطريقة لباسها , فتتحرك به الغريزة مرغما,وهنا أوافقه الرأي إلى حد ما ؛ لأنها أعطته الدوافع ليتخطى الخطوط الحمراء , بالمقابل أؤكد أن هذا لا يمنحه الحق فالمفروض أن دوره الديني أن يغض النظر عنها .إذا ما نواجهه في مجتمعاتنا العربية مشكلة كبرى لأن المرأة هي الملومة والمعتدى عليها في آن واحد فنحن مجتمعات، الأنوثة فيها تهمة ، والرجل الشرقي يتحرش بالمرأة لاعتقاده أنها من أملاكه الدنيوية والسماوية. فهو يراها مصدرا لمتعته وأن رضاه عليها من رضا الله ،وأنه عليها أن تشكر ربها أنه رغب فيها .على العموم يبدأ الحل بالتربية ، وبتوعية الطفل بجسده ، وحاجاته عند البلوغ، وتربيته على أن المرأة كيان، وليست للمتعة، وأنها أم تماما كأمه إضافة إلى وضع قوانين مشددة لمعاقبة المتحرش، وتشجيع المرأة على الكلام عما تتعرض له حينها سنحد من هذه المشكلة ولكن لا يمكن القضاء عليها فهي تتعلق بميول قد تكون مرضية عند المتحرش , وبالتالي لا يعود الأمر إرشاديا بل يحتاج إلى علاج طبي متخصص..


