سمير عواد -
اتجهت الأنظار عند الاحتفال بقدوم العام الجديد 2014 إلى المستقبل، وإلى الماضي أيضا وتحديدا قبل قرن من الزمان، عام 1914، وهو العام الذي شهد الحرب العالمية الأولى، التي وقعت بسبب أنانية سياسيين قوميين لهم أطماع توسعية.
ولا تزال مسؤولية أول حرب عالمية كانت كارثة على العالم، موضع نقاش بين المؤرخين إلى يومنا هذا. وقبل مدة وجيزة وضع الكاتب الأسترالي كريستوفر كلاركس كتاباً عنوانه “أحلام اليقظة” أورد فيه اتهامات للقيصر الألماني بأنه هو الذي أشعل نار الحرب العالمية الأولى. واتهمه كتاب ألمان بالساذج، لكن لا يمنع ذلك من أن مسؤولية الحرب سوف تبقى موضوع نقاش لسنوات وربما عقود قادمة.
وكتب تيو زومر الصحفي الألماني المخضرم والبالغ 83 عاماً من العمر، مقالا حول هذا الموضوع في صحيفة “دي تسايت” التي يشرف على تحريرها مستشار ألمانيا الأسبق هيلموت شميت البالغ من العمر 95 عاماً،تساءل فيه إذا كارثة 1914 سوف تتكرر في عام 2014، بمعنى آخر، إذا سيعيد التاريخ نفسه؟ وقال إنه لا يستبعد أن يشهد العام الجاري كارثة عالمية، بالنظر إلى ازدياد الصراعات في العالم، لاسيما أنها صراعات إقليمية، ولكن إذا لم يتم حلها في وقت قريب، سوف تتفاقم وتؤدي إلى هزة عالمية.
واستعان زومر الذي سبق وأن أشرف على معهد السياسة في برلين، الذي يزود الحكومة والبرلمان الألمانيين، بالتقارير والتحليلات والمقترحات حول الأزمات الدولية، بأمثلة، استعرض من خلالها، المخاطر التي يواجهها عالمنا في المرحلة الحالية.
في البداية ألقى زومر نظرة على محيطه وتطرق إلى أوروبا، ولاحظ أنه مستبعد جدا أن تعود أوروبا إلى عصر البربرية، وبعد أن تعرضت إلى حربين عالميتين مدمرتين، تحقق فيها السلام، واجتمعت دولها على مصالحها المشتركة. وكان نزاع البلقان في عقد التسعينات، آخر نزاع وقع على أرضها، ولم يتحقق السلام نهائيا هناك، بسبب استمرار الخلافات العرقية في البوسنة وكوسوفو، حيث تعرقل التوصل إلى سلام شامل في المنطقة، وانضمام جميع الدول التي استقلت عن يوغسلافيا السابقة، إلى الاتحاد الأوروبي. ويرى زومر أنه ليس أن تنطلق حرب من البوسنة أو كوسوفو، كما ليس من المحتمل وقوع حرب بسبب الخلافات التي تقع بين فينة وأخرى بين روسيا وأوكرانيا ونزاعات أخرى في مولدافيا وجيورجيا.
ثم عرج زومر في تحليلاته على التطورات الساخنة في منطقة الشرق الأوسط، التي تعرضت إلى التقسيم خلال الحرب العالمية الأولى على أساس اتفاقية “سايكس – بيكو” التي وضعها الفرنسيون والبريطانيون عقب سقوط الإمبراطورية العثمانية. فاليوم تشهد دول مثل العراق وسوريا ولبنان فوضى،. وهناك توتر بين السنة والشيعة يعيد للأوروبيين ذكريات قديمة عندما نشأ فيها صراع في القرون الوسطى ين الكاثوليك والبروتستانت. وظهر النزاع الكردي من جديد، حيث يهدد اليوم سيادة تركيا والعراق. ويقول زومر إنه رغم استبعاد وقوع حرب عالمية رغم سخونة النزاعات في منطقة الشرق الأوسط. فعلى مسار النزاع المزمن بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ليس محتملا وقوع حرب عالمية بسببه أيضا. غير أن زومر كتب يقول إنه يعتقد أن منطقة الشرق الأوسط تحتاج إلى جيلين على الأقل حتى ينشأ نظام جديد في العالم العربي، يسوده السلام والاستقرار.
وحول الأوضاع في إفريقيا كتب زومر في مقاله أن الأوضاع هناك متشابهة في عدد من الدول التي تمر فيها أزمات منذ زمن طويل، وهي مالي والكونغو والصومال والسودان، وأشار إلى أنها ليست الدول الوحيدة في القارة السوداء التي فيها نزاعات ساخنة، فالصراع دب وانتشر في كثير من الدول الإفريقية، وإلى جانب النزاعات المسلحة نتيجة أطماع سياسية وتوسعية، هناك نزاعات عرقية ودينية، وسيظل الفساد يهدد سلام واستقرار تلك الدول. ووجه زومر نصيحة إلى الغرب بعدم التفكير في التدخل في إفريقيا لأن ذلك لن يجدي نفعاً، فإفريقيا مثل العالم العربي، تحتاج إلى زمن طويل حتى يتحقق فيها السلام والاستقرار. ومن وجهة نظر الخبير السياسي الألماني المخضرم، فإن النزاع الجديد بين الصين واليابان حول جزيرة “دياو- سينكاكو” غير المأهولة بالسكان والصغيرة المساحة، هو نزاع خطير جدا، ولم يتوان الطرفان عن استعراض طاقاتهما العسكرية من سفن حربية وسلاح الطيران، وعادت مشاعر العداء القديمة تنتشر من جديد في البلدين، ووقف الزعيم الصيني “كسي جنبينغ” ورئيس الوزراء الياباني “شينزو آبي” وجها لوجه، وكل منهما متشبث بموقفه غير مستعد للتفاوض مع الآخر أو التنازل ولو شبر واحد.
ويرى زومر أن هذا النزاع خطير جدا على السلام العالمي وأكثر بكثير من بواطن الأزمات الآنفة الذكر، وقال بصريح العبارة إن أي صدام بين الصين واليابان، إذا وقع ولم يتم إزالة صاعق انفجاره في العاجل، لن يسلم الغرب بالذات منه.
وطبقا لتحليلات المؤرخ البريطاني المعروف إيان موريس، فإن الأربعين عاماً القادمة، ستكون الأشد خطورة في تاريخ البشرية بعد الحرب العالمية الثانية.
ورغم مضي قرن على اندلاع الحرب العالمية الأولى، فإن العالم يبدو أنه لم يتعلم تماما من عبر تلك الكارثة المدمرة، ولذلك ينبغي العمل فورا على حل النزاعات الراهنة، إذا هناك رغبة مخلصة في تجنيب العالم تكرار الكارثة التي حلت عليه قبل قرن مضى.


