أحمد بن سالم الفلاحي -
من منا يستطيع ان يقف امام الملأ ليقول انني انا من فعل هذا، كم منا من وقف هذا الموقف الشجاع ولو مع نفسه على الأقل، كيف ان نتحرر من تجاذبات الذات وننسل من تداعياتها لنكون فعلا احرارا في اتخاذ قراراتنا، من منا يستطيع ان يملك قرارات نفسه، ونهايات مصيره كلنا نتوق لأن يعترف الآخرون بأخطائهم، ولكننا لا نملك الشجاعة لنعترف نحن بذلك.
اننا متشبعون فعلا بمناخات الذات التي تكيل لنا الصاع صاعين، ولذلك نحن مأسورون بذواتنا حتى النخاع، نحن مجرد عبيد لهذا الهيملان المستحوذ على كل تفاعلات انفسنا، وقراراتها، ومصيرها بعد ذلك، ولذلك يشكل الاعتراف بالخطأ عقبة كأداء ليس من اليسير اجتيازها، فهذه تحتاج الى ارضية خصبة من أن تتربى فيها النفس، وتترعرع في مساحة آمنة من الود، والتصالح، والرضا، وهذه صفات ليس من اليسير تحققها على ارض الواقع، فكما نعرف ان الاعتراف بالخطأ سمة عالية ورفيعة، ولا يملكها الا القليلون، والقليلون جدا في هذا الوجود، كما هي عادة الأشياء الرفيعة لا تتحقق الا ببذل كثير من الجهد الخلاق، والتضحية بالشيء الثمين، وقد تصل النفس ذاتها لأن تكون ضحية هذا الشيء، فالحرية لا تتحقق اذا لم يصاحبها تضحية بالنفس والمال، على سبيل المثال.
لعله التأسيس نحو هذا الخلق الرفيع يعود الى بدايات التشكل الأولى بين احضان الأسرة، فالاسرة على سبيل المثال لا تكافئ الأبن المخطئ اذا اعترف بأخطائه، بل تشبعه سبا، وضربا، وانتقاصا في شخصه، ولذلك ننشئ جميعنا بشخصيات انفصامية، مهزوزة، خائفة تترقب عقاب المجتمع ككل، وليس عقاب الاسرة الواحدة، هذه اشكالية موضوعية في مسألة التربية، سواء على مستوى الاسرة الواحدة، او على مستوى المدرسة، او على مستوى المجتمع ككل، ولذلك ترانا نخبئ انفسنا حتى في الأمور المستحسن فعلها انعكاسا لهذا الخوف المتسرب بين جوانحنا، ولذلك نغلف افعالا حسنة ورائعة تحت عباءة هذا الخوف، ولربما لو ظهرت على الوجود، لكان الأمر مختلفا جدا في كثير من افعالنا الانسانية.
الاعتراف بالخطأ قمة الخلق الانساني الرفيع، والذي لو تحقق لكان للحياة وجه مشرق آخر غير الذي نعيشه اليوم، والمسألة ليست بالمستحيلة ابدا، فهناك شعوب نتقاسم معها حلو الحياة ومرها تتجذر عندهم ثقافة الاعتراف بالخطأ ولذلك فهم صادقون، مخلصون، آمنون على اموالهم، وأهليهم، وصفتهم الانسانية هذه لم تأت من فراغ بل نظمها قانون احترمه الجميع، وآمن بأهميته الجميع، ورأوا فيه المنقذ من تداعيات كثيرة لو وجدت على ارض الواقع لأنقلبت حياتهم رأسا على عقب، كحالنا نحن في مجتمعاتنا النامية، للأسف الشديد، مع اننا نمارس دينا تتجذر فيه الأخلاق من ألفه الى يائه، (وانك لعلى خلق عظيم)، “وانما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.
السؤال المطروح: هل يمكننا صناعة هذا الخلق الرفيع، أيقن بتفاوت الاجابة، لأن المجتمع بكامل اطيافه أدمن اللف والدوران، لا ينظر الى المعترف بخطئه بشيء من التقدير؛ بقدر ما سوف يكيل عليه التهم، وقد يسيء الى خلقه، فالمسألة مرتبطة بثقافة المجتمع، وما يقره على نفسه من اخلاق، وبالتالي حتى ولو ظهر هناك اجتهاد من رب أسرة لأن ينشئ ابناءه على شيء من هذا الخلق، فلن يدعه المجتمع من حوله، الا فقط من يملك قراره بنفسه، وهؤلاء قلة.


