سيف بن ناصر الخروصي -
مرض عضال مزمن ابتليت به الأمم على مر الدهور والأزمان جديده قديم ذلك لأنه ما من عصر من العصور يمكن ان يقال انه يخلو من مظاهره فهو مرض ملازم للنفوس ومتعمق في دمائها يصعب علاجه واستئصاله منها مهما كانت الظروف والمحاولات فهو طبع والطبع كما يقال (انقل جبلا ولا تغير طبعا) فهناك من طبعت نفسه عليه وذبل ضميره وانحسرت من نفسه قيم الإنسانية وغرته الدنيا بمتاعها وباع آخرته بها بثمن بخس من خلال التسلق الى أموال الناس وظلم الآخرين غير مبال بما في ذلك من حسرة وندامة في الدنيا والآخرة خسر لذة العيش الكريم والسعادة النفسية والسمعة الطيبة وكسب بغض الناس وحقدهم عليه.
ما هو هذا الداء العضال؟ أنه الرشوة التي تحيل الحق الى باطل والباطل الى حق وتعطي الحقوق لغير مستحقيها وتظلم الناس وتوقع الضغائن والأحقاد بين بني البشر وتعطل المصالح وتفسد القيم والأخلاق وتجعل الأمين والصالح في حالة من الحيرة تسد أمامه الأبواب وتضع الحواجز في طريقه وتعطل اعماله وتقضي على الضعفاء والمحتاجين وتبدد سبل السعي الكريم وتسند الأغنياء وتدفعهم الى ابتزاز الآخرين.
نعم انه وباء خطير عندما يتفشى في المجتمعات ولذلك جاء الاسلام ليقف أمامه بحزم وليحد من غلوائه محذار من الوقوع فيه وطرق ابوابه فماذا قال الله تعالى في التحذير من هذا الداء العضال (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالْبَاطل وَتُدْلُوا بهَا إلَى الْحُكَّام لتَأْكُلُوا فَريقاً منْ أَمْوَال النَّاس بالإثْم وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) وقال سبحانه (وَتَرَى كَثيرًا منْهُمْ يُسَارعُونَ في الْإثْم وَالْعُدْوَان وَأَكْلهمُ السُّحْتَ لَبئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وقال (لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلهمُ الْإثْمَ وَأَكْلهمُ السُّحْتَ لَبئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) وقال(سَمَّاعُونَ للكَذب أَكَّالُونَ للسُّحْت).
ومن تحذير الاسلام عن الرشوة ما يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما من قوم يظهر فيهم الرشا إلا أخذوا بالرعب). وجاء عن أبيّ قال (لعن رسول الله الراشي والمرتشي. وفي رواية ابن عمر والرائش) وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من شفع لأخيه بشفاعة فأهدى له عليها هدية فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا).
إن لعن الرسول صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي دلالة على مدى شناعة هذا السلوك وآثاره السيئة التي تعود على الفرد والمجتمع والأمة فكم من عمل أسيء وكم من فقير ظلم وكم من اموال نهبت وكم من محبة انتزعت وكم احقاد زرعت وترعرعت وادت الى التفرقة والشقاق وكم من حكم تغير بسبب الرشوة.
إذن لماذا تطوع النفوس لأصحابها سلوك هذا الطرق المظلم؟ لا شك ان الإجابة واضحة لا تحتاج الى دليل وفي مقدمة هذه الاجابة هو ضعف الوازع الديني لدى لهؤلاء كما لا ننسى انتشار الكثير من المفاهيم المغلوطة المبررة لمثل هذه الممارسات الخبيثة والركوع لحب المال وانعدام الضمير الحي الذي يراعي حقوق الغير والحرص على تحقق المصلحة الشخصية بغض النظر عما يترتب على هذا التصرف من الأحكام الشرعية أو الضرر بالغير وقد يكون تردي الأحوال الاقتصادية للبعض دافعاً لقبول الرشوة والتعامل بها وهذه مبررات لا يقبلها المنطق ولا العقل السليم.
فهل من رجوع إلى تعاليم الإسلام وإلى التقهقر عن سلوك هذا الطريق الوعر المؤدي الى ظلمات الدنيا والآخرة؟.


