فتح الله كولن وأردوغان.. صراع أفيال بين حلفاء الأمس


◄ تسجيلات لأردوغان تتهمه بالفساد.. وقرارات برلمانية لقص أجنحة "حزمت"


◄ إغلاق مدارس كولن واستبعاد أنصاره من الشرطة والقضاء


◄ محاولات مستميتة لاقتلاع "العدالة والتنمية" عبر فضائح الفساد الاقتصادي


الرؤية- مركز البحوث


منذ أيام وجّه رجب طيب أردوغان رئيس وزراء تركيا خطابًا إلى حليفه القديم فتح الله كولن المقيم في بنسلفانيا بالولايات المتحدة ليطالبه بالعودة إلى البلاد، وأن يواجهه خلال الانتخابات البلدية في 30 مارس الجاري. وقال: "مارِس السياسة، لكن لا تقم بأعمال استفزازية يمكن أن تهدد الأمن القومي والاستقرار في تركيا".


وتنبئ التطورات الأخيرة بأزمة سياسية تتصاعد بين رئيس الحكومة التركية أردوغان وفتح الله كولن لتنعكس على انقسامات على الساحة التركية. وبعد أكثر من عقد على تعاون حكومة أردوغان وحركة كولن لإضعاف النخبة العلمانية التركية والحد من نفوذ الجيش في الحياة السياسية، انتقل الصراع على النفوذ لينشب بين حلفاء الأمس، إذ عملت الحركة في الوقت الذي تدعم فيه حكومة أردوغان على توسيع نفوذها في أجهزة الدولة ولتعمل بشكل مواز على تحقيق أجندتها الخاصة، ولكن تدريجياً انتقلت المواجهة بين الطرفين لتصبح مواجهة صارخة ومعلنة يستخدم فيها الطرفان كافة الأدوات المشروعة وغير المشروعة لحسم الصراع السياسي وإنهاك الطرف الآخر.


ففي إطار فضيحة الفساد الكبرى وبعد القبض على عدد من حلفاء أردوغان سارعت الحكومة لفصل المئات من رجال الشرطة والنيابة المحسوبين على جماعة كولن، وسعت كذلك للسيطرة على جهاز القضاء عبر تصويت البرلمان الذي يسيطر على غالبية مقاعده حزب العدالة والتنمية على وثيقة إصلاحات من شأنها وضع المجلس الأعلى للقضاء وممثلي الادعاء تحت سيطرة وزارة العدل.


وبعد جلسة عاصفة استمرت لعشرين ساعة تخللها اندلاع شجار بالأيدي وتبادل اللكمات بين العشرات من النواب، صوّت البرلمان التركي على وثيقة الإصلاحات التي وصفها نواب الأحزاب المعارضة في البرلمان بأنّها تهدف إلى عرقلة تحقيقات قضايا الفساد وتلبية احتياجات حزب العدالة والتنمية.


وفي ضربة موازية لفتح الله كولن وحركة "حزمت" (الخدمة)، صادق البرلمان التركي على قرار بإغلاق مدارس (درس خانة) التمهيدية العائدة لحركة "حزمت" قبل حلول الأول من سبتمبر 2015. حيث تسيطر الحركة على مراكز التعليم الخاصة التي تقدم دروس التقوية لتلاميذ المرحلة الثانوية والجامعية، التي انتشرت بشكل كبير في تركيا والبالغة أكثر من ألف مركز حيث تعتبر مصدراً مهماً للدخل بالنسبة لحركة "حزمت".


إنّ صراع القوى الدائر في تركيا اليوم بين حلفاء الأمس حكومة رجب طيب أردوغان، وجماعة الداعية فتح الله كولن مختلف. فهذه المرة يختلف الإسلاميون مع بعض بعد أن خلت الساحة لهم، وبعد أن نجحوا في الانتصار على خصومهم التقليديين "الدولة العميقة" والأحزاب العلمانية. فخلافات حكومة أردوغان وجماعة فتح الله كولن، وإن كانت تعود إلى عام 2010 على إثر تباين مواقفهم تجاه حادثة أسطول الحرية، إلا أنّ ظهورها بهذا الشكل العلني المكشوف بدأ بعد نجاح أردوغان في تحييد المؤسسة العسكرية التركية التي ظلت تاريخيًّا الحامية للدستور العلماني للدولة والرادع للأحزاب الدينية. وهو النجاح الذي لم يكن ليحدث من دون مساعدة جماعة كولن. فهذه الجماعة الدينية المتصوفة تملك قاعدة عريضة من البيروقراطيين الذين نجحوا في اختراق أجهزة الدولة في تركيا (الشرطة والقضاء)، وسهلوا بالتالي من عملية إقصاء المؤسسة العسكرية من الحياة السياسية عبر قضايا ومحاكمات "إيرغونيكن" و"المطرقة". كما أنّها تملك قاعدة من رؤوس الأموال الإسلاميّة قوامها رجال الأعمال العصاميين ذوي الميول المحافظة الذين يطلق عليهم لقب "نمور الأناضول" والذين كان لهم دور في نمو الاقتصاد التركي خلال فترة حكم حزب العدالة والتنمية، ودور في تحقيق أردوغان وحزبه لانتصارات كبيرة في انتخابات 2007 و 2011.


نفس الملاحظة، أي نزوع الإسلاميين للصراع مع بعضهم بعد إقصاء خصومهم، تنطبق على معركة الإخوان والسلفيين في مصر. فالمعركة المشتعلة بينهم اليوم – على خلفيّة مشاركة حزب النور السلفي في خارطة المستقبل التي فرضتها ثورة 30 يونيو- بدأت في الواقع منذ أواخر العام 2012، أي بعد وصول الرئيس المعزول محمد مرسي إلى الرئاسة وتثبيته لحكم الإسلاميين عبر نجاح تحالف جماعة الإخوان والسلفيين في فرض دستور 2012م. وقتها تعرض حزب النور إلى ما يشبه الانفجار الداخلي الذي أدّى إلى انشقاق بعض قياداته المؤسسة كعماد عبدالغفور ويسري حماد، وقيامهم بتأسيس حزب سلفي آخر هو حزب الوطن. الكثير من المحللين ألقوا بمسئولية محاولة تفتيت حزب النور إلى جماعة الإخوان وإلى نائب مرشد الجماعة خيرت الشاطر بالتحديد على اعتبار أنّ حزب النور كان هو منافس الإخوان الأقوى في الانتخابات البرلمانية لو قدر لها أن تتم في تلك الفترة.


معارك الإسلاميين الأتراك تشكك بكل أدبيات "النموذج التركي" وادعاءات أحزاب الإسلام السياسي بقدرتها على التعايش مع باقي أطياف المجتمع، طالما أنّها غير قادرة أصلاً على التعايش مع نفسها.


يصعب التوقع بشأن النتائج المباشرة لخلافات الإسلاميين في تركيا. ويرى البعض أنّ أسهم حزب العدالة والتنمية ستتراجع خلال الانتخابات البلدية في مارس القادم بعد فضيحة الفساد التي تورطت فيها أطراف مقربة من الحكومة خصوصًا وأنّ الناخبين الأتراك اشتهروا بمعاقبتهم السريعة للأحزاب المتورطة في قضايا الفساد. ويرى آخرون بأنّ التعويل على هزيمة الحزب في الاستحقاقات القادمة صعب بسبب ضعف الأحزاب العلمانية المنافسة وامتلاك الحزب لقاعدة عريضة من المناصرين، لكن احتمال وقوع تصدعات داخل الحزب يبدو أكثر واقعية. فمنذ الصيف الماضي تتحدث صحف ووسائل الإعلام عن تذمر بعض أعضاء الحزب من سياسات أردوغان التصادمية، والتي تحرق الجسور مع جميع الأطراف داخليًّا وخارجيًّا. وخلال الأسبوعين الماضيين ظهرت بوادر فردية لتشققات داخل الحزب، فقد قدّم اللاعب المعتزل والنائب في البرلمان "هاكان شكور" استقالته من الحزب احتجاجًا على قرار الحكومة التركية إغلاق المؤسسات التعليمية الخاصة التي تديرها جماعة فتح الله كولن، وبعدها بأيام هاجم وزير الثقافة السابق وعضو الحزب الحاكم "أرطغرل غوناي" حكومة أردوغان بسبب أسلوبها السيء في إدارة الأزمة التي خلفتها فضيحة الفساد.


التشققات داخل الحزب الحاكم قد تتفاقم في حال دعمت جماعة فتح الله كولن ترشّح الرئيس التركي الحالي عبدالله غول لرئاسة الوزراء، وفشل مشروع أردوغان في تحويل تركيا إلى النظام الرئاسي عبر تعديل الدستور، وهو ما قد يعجل بنهاية الحياة السياسية لأردوغان.


لكن يبقى الأهم من ذلك هو النتائج غير المباشرة والتي قد يمتد تأثيرها إلى خارج تركيا وفي مقدمتها انهيار الصورة المثالية لما يعرف بالنموذج التركي في المنطقة. فجناحا هذا النموذج: السياسي ممثلاً بالحزب الحاكم، والديني ممثلاً بجماعة كولن، دخلا في صراع جشع لبسط النفوذ واحتكار السيطرة على أجهزة الدولة من شرطة وقضاء واستخبارات وتعليم، وهو صراع ظهرت فيه خلال الأسبوع الماضي روائح لفساد مالي وفساد سياسي وإساءة استغلال للسلطة، ما جعله أقرب لصراعات عصابات المافيا. الأمر الذي يدفع المتابع للتشكيك بكل أدبيات "النموذج التركي" والتشكيك في ادعاءات أحزاب الإسلام السياسي بقدرتها على التعايش مع باقي أطياف المجتمع، طالما أنّها غير قادرة أصلاً على التعايش مع نفسها.