«دريول»

1393936000582360400

عبدالله الشعيلي -

ashouily@hotmail.com -

صديق عزيز، ذو منصب رفيع، أمنيته في الحياة أن يصبح سائق سيارة أجرة “تاكسي”، حاول مرارا وتكرارا إلغاء هذه الفكرة من رأسه، لكن حلمه يأبى عليه إلا أن يحقق ما كان يحلم به أيام صباه.

قال لي مرة: “هنالك متعة حقيقية لا يفهمها كثير من الناس في هذه المهنة. وجوه جديدة تراها في كل لحظة، أحاديث ممتعة تتجاذبها مع مختلف الشرائح والأجناس والأعراق والألوان في لحظات بسيطة وبدون سابق ميعاد أو معرفة، مواقف جميلة وأخرى حزينة تتعرض لها بدون ترتيب أو تنظيم، طرق وشوارع وأزقة ربما تكتشفها لأول مرة، وحياة ممتعة لا تعرف الرتابة أو الملل”.

لم أجادل هذا الصديق فيما قاله، فقد كان نابعاً من أعماق قلبه وأحسست به من لهفته في الحديث عن هذه المهنة ومزاياها، وما زاد من يقيني هذا استدعاء ذاكرتي لكتاب الرائع خالد الخميسي “تاكسي: حواديت المشاوير” الذي سرد فيه بأسلوب لطيف طريف حواراته مع سائقي التاكسي في القاهرة عن هموم حياتهم اليومية من السياسة والاقتصاد والدين وتفاصيل حياتهم الخاصة جدا.

هنالك مثل يقول: “إذا أردت اكتشاف حياة أي شعب من الشعوب فاسأل سائق الأجرة”، وهذا ما أقوم به غالبا عند زيارتي لأي بلد لأول مرة فإنني أبدأ في الحديث مع سائق الأجرة عن الأوضاع السياسية والاقتصادية والدينية في بلاده، وحتى حياته الشخصية، وكثيراً ما تنشأ بيني وبين ذلك السائق علاقة صداقة تستمر حتى بعد عودتي من سفري.

وهذا الأمر هو ما أكده صديق لي يعمل سائقا للأجرة في شوارع مسقط من أنه تعلم الكثير من اللغات واللهجات وعرف كثيراً من العادات والتقاليد وتعرف على أناس أكثر من أي شخص آخر واكتسب كثيراً من المهارات من خلال عمله كـ”دريول تاكسي” كما قال: فصار خبيراً بأحوال الناس وطباعهم وأمزجتهم، يعرف متى وأين يبتدئ الكلام ومتى ينهيه وفي أي مرحلة وصل معه النقاش مع أحد ركابه، بل صار ملما بكل الأحداث السياسية والاقتصادية التي تجري في عمان وفي باقي دول العالم من خلال نقاشاته وحواراته مع من يقوم بتوصيلهم بسيارته ذات العلامة الصفراء.

شاهدت مرة فيديو قصيرا على اليوتيوب يصور رئيس وزراء النرويج، وهو يقود سيارة أجرة ليوم كامل كي يستمع إلى مواطني بلاده لمعرفة آرائهم في أداء حكومته، ومشاكلهم الشخصية، ويستمع منهم إلى نصائحهم للاستفادة منها في تطوير أداء حكومته، معتبراً أن سيارة الأجرة هي أفضل مكان يمكن للمواطن أن يتحدث فيه عن أفكاره وآرائه وهمومه ومعاناته.

قد لا تكون مهنة سائق الأجرة من المهن المريحة ولا التي تدر أموالاً عظيمةً على ممتهنها، فهي مهنة شاقة وصعبة للغاية تتطلب من ممتهنها الجلوس والقيادة لساعات طوال في نفس المقعد والصبر الشديد في تحصيل موارده المالية البسيطة التي يأخذها من البسطاء من الناس من الباحثين عن توصيلة سريعة أو طويلة أيًّا كانت، ولكن ربما يكون عزاء صديقنا ذو المنصب الرفيع أن رئيسا لوزراء دولة اسكندنافية قد سبقه لهذه الخطوة فترك مكتبه ليوم كامل وعمل “درويل” يقل الركاب من مكان إلى آخر، وهذا ما يمكن أن يقوم به صاحبنا كي يحقق أمنيته، بأن يبدأ في أخذ الخبرات الغربية في مجال “التعرف على أحوال شعبه” ويبدأ في تطبيقها هنا في بلادنا عمان.